دكتور عبد العزيز الدوري

73

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

النزاع ، بل انجرفوا فيه بعد سليمان بن عبد الملك ، فهبطوا من مكانهم السامي وأصبحوا كأنهم رؤساء أحزاب بدل أن يكونوا رؤساء دول . وبذلك ضعف التوجيه ، وتضعضعت وحدة الدولة المتمثلة في خليفتها ، وانصدعت دعامة الحكم الأموي . ب - ولم تدرك القبائل أهمية الحكم المركزي ولم تفهم معنى الدولة ولم تتعود ذلك ، بعد فورة العصبية القبلية خاصة . ولم تتهذب في الحكم ، ولم تتكون لها تقاليد سياسية تناسب ما يقتضيه الوضع الجديد لامبراطورية واسعة ، بل استمرت تنظر إلى مصالحهم المحدودة وتعدها مقياسا في تصرفاتها . وذلك عامل ضعف خطير في الكيان العام . ج - واستهان الأمويون ، بتأثير العصبية ، بأمر الأقوام غير العربية ، وعدّوهم في منزلة اجتماعية أدنى من العرب ، وأبعدوهم لذلك عن السياسة والقيادة وفرضوا على الموالي أحيانا من الضرائب أكثر ممّا فرضوه على العرب . فالعصبية تبدأ للبيت الأموي ، ثم للقبيلة ، وتتوسع أخيرا فتكون للأمة ولا تتعدى ذلك . وقد كانت هذه النظرة طبيعية ومألوفة بالنسبة إلى الشعوب الحاكمة في الشرق في ذلك الوقت ، إلا أن الإسلام دعا للمساواة بين المسلمين ، فكانت دعوته مثار كفاح ومقاومة لهذه النظرة . فالإسلام هو الذي هيأ الأساس المشروع لتذمر الموالي ، ووقفت بعض الفرق إلى جانبهم وحاول بعض الفقهاء تأييد النظرة الإسلامية والدفاع عنهم . والحقيقة أن العرب من هذه الجهة هم الذين نظموا الموالي ووجهوا مقاومتهم إلى الأمويين وتذمرهم منهم . وهذه الأوضاع أدت إلى عداء شديد بين الحاكم والمحكوم ، وإلى أن ينضوي الساخطون - مهما كانت دوافعهم - تحت لواء الإسلام فيكافحوا ويثوروا باسمه ، صادقين ومدعين ، في جميع الحركات ، من ثورة المختار حتى قيام الحركة العباسية . د - ثم إن عدم وجود الوراثة في التقاليد السياسية القبلية وقف عقبة في طريق الأمويين حينما حاولوا إدخال هذه الطريقة في الحكم . ووقفت التقاليد الإسلامية ضد الأمويين في هذه الناحية أيضا . ولذا لم ينجح الأمويون في إيجاد طريقة ثابتة لحل مشكلة الحكم ، فكان عصرهم فترة نزاع بين ثلاثة مبادئ : ( 1 ) المبدأ القبلي الذي يعترف بالسيادة في فخذ أو عائلة ، ولكنه لا يقبل الوراثة ، ويراعي مسألة السن والحنكة والنفوذ والكرم ، ويؤكد أن تكون الرئاسة لأقدر أفراد القبيلة أو البيت من دون ضرورة لتوريثها للابن . وقد أثر هذا الاتجاه خلال العصر الأموي فكان سببا في اختيار مروان بن الحكم ومجيء مروان بن محمد